
ليه تلوعني و أنتَ نور عيني
صباح الحواصلي
كانت بوران تستمع إلى أغنية قديمة لأم كلثوم التي تقول فيها ليه تلوعني وأنت نور عيني, وكانت تتحسس برفق تكور زهرة (حلق المحبوب) في أرض الديار وتقول سبحان الذي صورك, ثم تسير متمهلة نحو الدهليز المعتم, نحو طقسها اليومي. فتحت باب الدهليز الخشبي العريض العالي المتآكل, فباغتتها رطوبة ألِفتْ رائحتها التي يغلب عليها ما يدخل من باب الزقاق من روائح الطريق الثابتة والعابرة, والمحلات المجاورة للبيت, بدءاً من محل أبو عيد الحمصاني, وشاكر بائع العرقسوس, ومحل
(إيمع عرب), لصاحبه سمير عبد الكريم, المواجه لباب بيت بوران. تقدمت بوران من باب الزقاق, فتحته بمقدار شق يكاد لا يبين منه نور النهار مثل حد السيف. دست عينها عبر الشق فبدى لها الطريق كاملا بناسه وضوضائه ورائحته وتكراره. قالت بوران في سرها تأخر سمير اليوم؟ ودمدمت مغنية وسمير مطبوع في خيالها ليه تلوعني وأنت نور عيني.. وكانت عينُها هناك, في مكان جلوسه خلف زجاج محل (الإيمع), وراء طاولة عليها ميزان وفواتير وأشياء أخرى حفظتها لدوام استقرار عينها هناك. تعرف أن صحن السجائر قد امتلأ الآن.. بل أكثر من ذلك تعرف حتى عدد السجائر التي دخنها أمسية أمس وهي تتفحصه عبر الشق الذي كان مظلما. لم يأت سمير بعد.. وتعود بعينها العسلية إلى مكان سمير الذي ما يزال خاليا.. ويأتيها من داخل محله صوت دق الإيمع بالمضرب, وما أن تأخذ شهيقا عميقا, عمق لهفتها وانتظارها, حتى قطعته هامسة:
ليكو سمير.. إجا يقبر قلبي
رأته من ظهره, مرتديا قميصه السماوي الغامق, ورأت السيجارة بين إصبعيه وتمنت لو كانت هي سيجارته, أو حتى دخانها المتخلل ذراعه اليمنى وكتفه ورقبته وطرف وجهه الأسمر. لو يلتفت الضرسان لأرى وجهه.. وجالت عينُها بذراعه بخطوط عضلاتها الناتئة. رأته وهو يدخل محله.. اسم الله حارسه يدخل برجله اليمين على الأصول.. بزق قرب محله وسمعته ينادي:
سيفو..
حاضر معلم..
جيب السطل ورش مي أمام المحل.. أوام
وتقول بوران: يقبرني وهو يأمر.. سيد الرجال والله..
وعندما بدا لها الأستاذ فكري, المُدرس بابتدائية الوليد بن عبد الملك, يسرع خطاه نحو محل سمير أدركت لتوها أنه سيشغل سمير بشكل أو بآخر.. وها هو حدسها يصدق فيما هو يقول لسمير متلهفا:
أفتح الراديو على صوت العرب, عبد الناصر عم يخطب.
وباغت صوت عبد الناصر أرجاء المكان:
وأنا قلت لكم كتير أنو بتنتكس المباديء, وبتنتكس الثورات, وبتنتكس الإنتفاضات, وبتنتكس حركات التحرير, ولكن الشعوب الحية لا يمكن أن تموت, وشعوبنا شعوب حية.. الشعب العربي شعب حي لا يمكن أن يموت بحال من الأحوال. أيها الإخوة المواطنون…………
أغلقت بوران الباب باستياء وخيبة, فقد اشتد الزحام أمام محل سمير وأصبح من المتعذر عليها أن تراه..
يعني كان لازم يخطب عبد الناصر..
ولكن لم يكن من المتعذر عليها أن تداري استياءها وتجد سلوانها. فغنت, ووقفت قليلا أمام المرآة, وشطفت أرض الديار, ووضعت القنبز في قفص الحسون وغيرت الماء, وغسلت الأبيض والملون, وحملت طشت الغسيل إلى السطح ونشرت الغسيل بعدما مسحت الحبال بخرقة مبلله, وسَرَحَتْ قليلا في فضاء دمشق المغمورة بشمس الضحى والوعود, ثم دخلت مطبخها الرطب وطبخت بامية بالكزبرة التي يحبها أخوها أمجد, وأعدت شوربة خضار بدون ملح لأمها الباركة. ثم عند العصاري جلت الأواني والصحون, وعندما بدأ انعكاس الشمس يبسط ظلال الأشياء على أرض الديار سقت أصص الزرع والياسمينة وشجرة الكباد, وساعدت أمها على اقعادها فوق الكرسي ذي الفتحة في منتصفه لتخرج, وغسَّلتْ لها, ونشفت أجزاء من بدنها, وعطرتها, وغيرت لها ملابسها الداخلية, وأعدت لها صحن ألماسية, وشربت معها ومع أخيها فنجان قهوة. وكانت عيناها تقولان له بعد كل رشفة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ